محمد بن علي الشوكاني
5082
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
أقول : لا ننكر أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وأما كون هذه مقدمة ركب العزة فلا ، إذ يلزم من ذلك أنه لا عزة للإسلام في البلاد الخالية عن اليهود ، إذ بالضرورة أنهم يلتقطون أزبالهم هم بنفوسهم ، أو يقوم بهذه الوظيفة أحدهم ، فلا عزة لهم حينئذ ، وقد قال ربك سبحانه وتعالى : { وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا } ( 1 ) قال جار الله ( 2 ) : هذه الهمزة للإنكار المستقبل بالتجهيل والتعجب من اعتراضهم وتحكمهم ، وأن يكونوا هم المدبرين من النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بها ، والمتولين لقسمة رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته ، ثم ضرب لهم مثلا فاعلم أنهم عاجزون عن تدبير خويصة أمرهم ، وما يصلح في دنياهم ، وأن الله - عز وعلا - هو الذي قسم لهم معيشتهم ، وقدرها ودبر أحوالهم تدبير العالم بها ، فلم يسو بينهم ، ولكن فاوت في أسباب العيش ، وغاير بين منازلهم ، فجعل منم أقوياء وضعفاء ، أغنياء ومحاويج ، وموالي وخدما ليصرف بعضهم بعضا في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ، ويسخروهم في أشغالهم ، حتى يتعايشوا ، ويترافدوا ، ويصلوا إلى منافعهم ، ويحصلوا على مرافقهم ، ولو وكلهم إلى أنفسهم ، وولاهم تدبير أمرهم لضاعوا وهلكوا ، فإذا كانوا في تدبير المعيشة الدنية في الحياة الدنيا على هذه الصفة ، فما ظنك بهم في تدبير أمر الدين الذي هو رحمة الله الكبرى ورأفته العظمى ؟ وهو الطريق إلى حيازة حظوظ الآخرة ، والسلم إلى حلول دار السلام انتهى . فبعد قوله الله تعالى : { ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا } ( 3 ) لا مجال للكلام [ 11 ] في
--> ( 1 ) [ الزخرف : 31 - 32 ] . ( 2 ) أي الزمخشري : في " الكشاف " ( 5 / 438 ) . ( 3 ) [ الزخرف : 32 ] .